الشريف المرتضى
8
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
الثاني لكان أولى من قوله من قبل : إنّه لو كان المراد بالتأويل المتأوّل لا الفائدة والمعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى ؛ لأنّ في متأوّل المحكم - كإخباره عن الثواب والعقاب والحساب ؛ ممّا لا شبهة في كونه محكما - ما لا يعرف تفصيله وكنهه إلّا اللّه تعالى ؛ فأيّ معنى لتخصيص المتشابه والكلام يقتضى توجّهه نحو المتشابه ! ألا ترى إلى قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ! فخصّ المتشابه بالذكر . والأولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الثانية هو المراد ب تَأْوِيلِهِ » الأوّلى ، وقد علمنا أنّ الذين في قلوبهم زيغ إنّما اتّبعوا تأويله على خلاف معناه ولم يطلبوا تأويله الذي هي متأوّله ؛ والوجه الأوّل أقوى وأرجح . ويمكن في الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه ، على أن يكون قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مستأنفا غير معطوف ، ويكون المعنى : وما يعلم تأويل المتشابه بعينه وعلى سبيل التفصيل إلّا اللّه ؛ وهذا صحيح لأنّ أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحقّ ، الموافقة لأدلّة العقول ؛ فيذكر المتأوّل جميعها ، ولا يقطع على مراد اللّه منها بعينه ، لأنّ الذي يلزم مثل ذلك أن يعلم في الجملة أنّه لم يرد من المعني ما يخالف الأدلّة ؛ وأنّه قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية في الجواز ، والموافقة للحقّ . وليس في تكليفنا أن نعلم المراد بعينه ؛ وهذا مثل الضلال والهدى اللّذين تبيّن احتمالهما لوجوه كثيرة ؛ منها ما يخالف الحقّ فنقطع على أنه تعالى لم يرده ، ومنها وجوه تطابق الحق ، فنعلم في الجملة أنّه قد أراد أحدها ، ولا يعلم المراد منها بعينه وغير هذا من الآي المتشابهة ؛ فإن أكثرها يحتمل وجوها ، والقليل منها يختصّ بوجه واحد صحيح ولا يحتمل سواه ؛ ويكون قوله تعالى من بعد : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ، أي صدّقنا بما نعلمه مفصّلا ومجملا من المحكم والمتشابه ؛ وأنّ الكلّ من عند ربّنا ؛ وهذا وجه واضح « 1 » .
--> ( 1 ) الأمالي ، 1 : 418 .